لا التفاف على هرمز.. الحرب تخنق غاز الخليج أكثر من النفط

لا التفاف على هرمز.. الحرب تخنق غاز الخليج أكثر من النفط -- Aug 26 , 2026 38

كشفت حرب إيران أن الالتفاف على مضيق هرمز متاح أمام النفط، بخلاف الغاز. وبحسب مختصين في أسواق الطاقة، قد تصب الأزمة على المدى البعيد في مصلحة الولايات المتحدة و المنتجين من خارج الخليج، الذين عززوا حصصهم في السوق العالمية منذ اندلاع الحرب.

يرى الخبراء أن قطر، أكبر مصدر للغاز في المنطقة، ستظل مورداً استراتيجياً للغاز الطبيعي بفضل احتياطياتها الضخمة، وستواصل إمداد الأسواق العالمية، لاسيما آسيا، الأقرب جغرافيا والأسرع نمواً، وأوروبا التي تسعى إلى تنويع مصادر إمداداتها بعيدا عن الغاز الروسي.

لكن خطط قطر للتوسع قد تواجه منافسة من مشاريع تصدير الغاز في الولايات المتحدة وأفريقيا وآسيا، التي تراهن على توجه المستوردين إلى تنويع مصادر الإمدادات بعيداً عن الشرق الأوسط، لتقليص مخاطر التعرض لأزمات اختناق جديدة.

أعاقت الحرب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره، قبل اندلاعها نهاية فبراير، نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط و20% من إمدادات الغاز المنقول بحراً. إلا أن السعودية واصلت تصدير الخام عبر خط أنابيب "بترولاين"، الذي يربط المنطقة الشرقية بمدينة ينبع على البحر الأحمر، فيما اعتمدت الإمارات على خط أنابيب أبوظبي إلى الفجيرة على خليج عُمان.

خط "دولفين" 
في المقابل، لا يوجد خط أنابيب بديل قادر على استيعاب أحجام صادرات الغاز، إذ يقتصر خط "دولفين" على نقل كميات محدودة من الغاز القطري، متعاقد عليها بالكامل لصالح الإمارات وعُمان.

وتجعل طبيعة الغاز إنشاء مسار بديل يستوعب أحجام الصادرات الحالية أمراً بعيد المنال، نظراً إلى صعوبة تخزينه وحاجته إلى النقل إما عبر أنابيب مباشرة إلى مواقع الاستهلاك، مثل محطات توليد الكهرباء، أو بحراً على متن ناقلات بعد إسالته في منشآت متخصصة، من بينها مجمع رأس لفان في قطر، الذي يعالج الغاز المستخرج من حقل الشمال البحري، الأكبر في العالم، والذي تتقاسمه قطر مع إيران.

 

المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، أشار في تصريحات، على هامش مؤتمر في النرويج الإثنين نقلتها بلومبرغ، إلى "صعوبة إعادة مستويات إمدادات الغاز في الشرق الأوسط إلى ما كانت عليه قبل الحرب".

وترى آن صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن دخول وحدات إسالة جديدة حيز التشغيل خلال العام الماضي والعام الجاري عزز القدرة التصديرية الأميركية، ما جعل مصدري الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة من أبرز المستفيدين مباشرة من الحرب، التي أعاقت صادرات قطر وعطلت جزءا من طاقتها الإنتاجية، بعدما ألحقت هجمات إيرانية أضرارا جسيمة بمجمع رأس لفان.

يُذكر أن نحو 94% من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي كانت تعبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب كانت تأتي من قطر، مقابل 6% من الإمارات.

بدائل أقل هشاشة جيوسياسياً
تُنوّه الباحثة آن صوفي كوربو إلى أن طبيعة سوق الغاز، وضخامة الاستثمارات المطلوبة في منشآت الإسالة وخطوط الأنابيب وناقلات الغاز الطبيعي المسال، تستلزمان إبرام اتفاقيات توريد طويلة الأجل، قد تمتد إلى 20 عاماً للمشاريع الجديدة و10 أعوام لمشاريع التوسعة، ما يجعل موثوقية المورد والمستورد عاملاً أساسيا عند التعاقد.

وبحسب كوربو، تسوق الشركات المشغلة لمصانع الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة وكندا وإندونيسيا وموزمبيق، وكذلك الشركات التي تطور مشاريع في الأرجنتين، نفسها باعتبارها "بدائل أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية" مقارنة بمصدري الخليج الذين تعتمد صادراتهم على المرور عبر مضيق هرمز.

 

كذلك أعادت حرب إيران الزخم إلى مشروع تطوير مصنع لتصدير الغاز الطبيعي المسال في تنزانيا، بالشراكة مع "إكوينور" النرويجية، بعد تعثره لفترة طويلة.

وصرح فيليب ماتيو، رئيس العمليات الدولية في "إكوينور"، لصحفيين على هامش مؤتمر للطاقة في النرويج، الثلاثاء: "لا نريد الانتظار طويلا لضخ كميات جديدة من الغاز الطبيعي المسال في السوق، لذا قد يكون الوقت مناسباً الآن للمضي قدماً في المشروع".
 
وعندما سُئل، بحسب وكالة رويترز، عما إذا كانت اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط تعزز جاذبية مشروع تنزانيا، أجاب: "بالضبط. فهذا يعني إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منطقة لا تواجه هذا النوع من التحديات الجيوسياسية".

آسيا الأكثر تأثراً بأزمة الغاز
 يستند هذا التقييم إلى واقع عدد من المستوردين الآسيويين الذين كانوا يعتمدون بدرجة كبيرة على قطر، مثل الهند وتايوان وباكستان وبنغلادش، واضطروا إلى شراء شحنات من الغاز في السوق الفورية بأسعار تجاوزت ضعفي مستوياتها قبل الأزمة.

وكان تأثير الأزمة على الصين أقل حدة، بعدما استثمرت في بدائل للإمدادات، وراهنت على الإنتاج المحلي، وسحبت من مخزوناتها، إلى جانب تنويع مزيج الطاقة بين المصادر المتجددة والطاقة النووية والفحم.

في هذا السياق، يؤكد ناجي أبي عاد، من مركز الخليج للأبحاث في السعودية، أن "مصدري الغاز الأميركيين سجلوا أرباحاً كبيرة نتيجة الأزمة" عبر بيع كميات أكبر بأسعار أعلى، مضيفاً أنهم "يخططون لتحقيق مزيد من الأرباح، من المرجح أن تكون على حساب قطر".

إيران.. احتياطي هائل لا يعبر الحدود
أما إيران، صاحبة ثاني أكبر احتياطيات للغاز في العالم بعد روسيا، فلا يُتوقع أن تتمكن من التحول إلى مصدر رئيسي للأسواق العالمية حتى في حال رفع العقوبات الغربية، نظراً إلى ضخامة احتياجاتها المحلية، بحسب كوربو.

وتوضح أن صادرات طهران الحالية عبر خطوط الأنابيب إلى تركيا والعراق تتذبذب موسمياً، فيما لا يزال مشروع التصدير إلى باكستان، المطروح منذ سنوات، رهناً بتأمين التمويل وتوافر بيئة مستقرة.

في المقابل، يرى فرانسيس بيران، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد في الرباط، أن صعود الولايات المتحدة إلى صدارة منتجي الغاز الطبيعي ومصدري الغاز المسال عالمياً لا يقلل من أهمية منطقة الخليج، التي تمتلك دولها مجتمعة أكبر احتياطيات الغاز في العالم، إذ تحتل إيران المرتبة الثانية عالمياً وقطر الثالثة.

ويخلص إلى أن "حجم الطلب العالمي سيبقي العالم في حاجة إلى القارة الأميركية والشرق الأوسط معاً لفترة طويلة، إذ لا غنى عن الكتلتين للحفاظ على توازنات الطاقة في المديين المتوسط والطويل".

الرياض -
ماهر الشميطلي

أقرأ أيضاَ

قفزة في أسعار القمح

أقرأ أيضاَ

كيف هي حركة السفن في هرمز؟